الجمعة، 13 أغسطس، 2010

تدوينه


أول رمضان منذ بضع وعشرون سنه

النصف الأول من الثمانينيات . نفس الجو قائظ الحرارة ورائحه الرطوبه الخانقه
أطفال لا يتعدى عمرهم الست والأربع اعوام
هذة هى انا وأخى الصغير نلعب فى الشارع وقد أنتهينا من تمزيق كتبنا المدرسيه لصناعه زينه رمضان
الوقت تعدى منتصف الليل , وامى تنادى بصوت مرتفع علينا كى نصعد لننام
من هذا الذى يصعد للنوم فى مثل هذا الجو بل ويترك كل تلك الأثارة والمرح واللهو فى شوارع كانت شبه فارغه من السيارات رغم امتلائها بالمارة
تنادى على أبن خالى الكبير كى يجلبنا لها , نصرخ ونركض فى كل الأتجاهات
هيهات ... هو طويل القامه واكبر منا بكثير
يقبض علينا ويحملنا اليها ... يتدلى كل واحد منا تحت ذراعه صارخين منتفضين .. حقيقاً لا نرغب لا فى الأستحمام ولا فى النوم بل نريد ان نستمر فى اللعب بضع ساعات آخرى

أقف فى الشباك نصف مستيقظه أنتظر عودة أبى ... فقد ذهب بالسيارة قبل الفجر ولم يعد بعد .
انام مكانى فى انتظار عودته

فى الصباح الباكر توقظنا أمى لنذهب الى بلدة أبى ... لنفطر هناك مع جدى وجدتى وأعمامى

أبى يجهز الخضار والفاكهه التى سنأخذها معنا ويتذكر أنه لم يشترى القاطيف بعد

امى تجهز ما سنأخذة وبعض الغيارات لزوم الشقاوة واللعب فى الطين

قريه صغيرة تقبع فى حضن الجبل الغربى تجاورها قريه البهنسا الأثريه حيث دفن عدد من الصحابه فى معارك الفتح الأسلامى
نصل لنجد جدتى لأبى جالسه على الأرض وأمامها مخروط ثلاثى من أعواد حطب جافه سميكه تنصبهم وتعلق بينهم (قربه) تخض فيها اللبن تصنع منه السمن والباقى يصبح جبن قريش
قابعه فى صمت متشحه بالسواد ذات وجه صموت ملامحه جامدة
تحرك القربه حركه رتيبه أليه فى ذهاب وأياب بمعدل ثابت وفى صبر بالغ
طيله حياتى لم أستطع تمييز ملامح جدتى ولم اعرف ان كانت سعيدة ام حزينه او حتى غاضبه
نادرا ما سمعت صوتها تتحدث
دائما ما كنت أراها اما تخرج الماشيه نهارا او تحلب جاموستها أو تطعم طيورها
لكنها أبدا لم تكن تشارك فى حديث او تسامر جارة

اجلس بجانبها .. احاول مساعدتها , امسك القربه واحاول خض اللبن فتتحرك بعشوائيه وتتخبط جوانبها تنهرنى بصمت ... أقوم واحاول اللعب بعيداً عنها مع بعض بطات صغيرات خرجن من البيضه منذ أيام قليله
أضعهم فى حله الماء فى محاوله لتعويمهن .. تصرخ فى خفوت انى سأقتل البط
يحملنى جدى بعيدا .. يدعونى للعب مع العنزات فهم ملكى
نعم فقد أخرجو مصروفى الذى أدخرة فى حصاله خشبيه صنعها لى النجار واشترو لى به عنزة (عشار)
وقد انجبت أثنين ... هم ملكى أذن ويحق لى اللعب معهم

بعد الأفطار يحل الظلام سريعاً ... فى تلك القرى وقتها لم تكن الكهرباء قد دخلتها بالكامل وما أن يؤذن المغرب حتى يحل ظلام داكن غريب له ملمس قوى وحضور وحتى رائحه مميزة
يخرج بنا عمى ليحضر بعض قناديل الذرة ليقوم جدى بشيها
مين اللى معاك دول يا رضا
دول ولاد اخويا جلال أصلهم جايين يفطرو معانا النهاردة
هاا ولاد البندريه ؟

فقد كانت أمى هى ابنه البندر التى خرج أبى من عبائه أمه واختيارها لأبنه اختها عروسه له ليتزوجها
نحمل اعواد الذرة الجافه نلعب قليله بشعر ناعم ذو لون أشقر يخرج من رؤوسها
لتبديد جو من الصمت وبعد محاوله فاشله لتشغيل التليفزيون حيث لم يكن بث قناته يصل الا مشوشاً رديئاً قام والدى بتشغيل الردايو وقام بتوصيله على بطاريه السيارة لينساب صوت الشيخ سيد النقشبندى مولاى أنى بـ بابك قد مددت يدى

رمضان هذا العام ... أقف فى المطبخ استمع الى صوت النقشبندى وهو يبتهل رائعته العذبه ذاتها
لا أشتم رائحه رمضان فى الجو ولا استمتع بثرثرة امى مع أقاربها
ولا محاولات جدى شى الذرة ... ولا أرى جدتى الصموت ذات الوقار تجلس جلستها المعهودة تقوم على خض الزبد .... فقط أرى ابن أخى يلهو على مشايته فى محاولات فاشله مستمرة منذ شهور فى السير بمفردة
اختى تجلس على مصليه تقرأ بعض الأدعيه ... وأبى يتلو القرآن بصوت جميل ... ليس رائع ولا شديد العذوبه لكنه رائق .. أمى تقول بنبرة متصعبه .. كيلو الفستق بـ 74 جنيه وكيلو اللحمه وصل 60 حتى الطماطم بقى الكيلو بـ 3جنيه ونص
(تدوينتين نشرتهم اول رمضان منذ عامين .. لكن رغبت فى نشرهم مدمجتين سويا هذة المرة)